علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
6
البصائر والذخائر
هذا الجزء - أبقاك اللّه - الجزء السادس « 1 » من كتاب البصائر والذخائر ، وإليه وقع الانتهاء ، وعليه وقف العزم ، وعنده بلغ النّشاط ، لأنّ المراد تمّ به ، وما في النّفس سكن معه ، فقد كان « 2 » يجول في النّفس ما يعسر تدوينه ، ويصعب تضمينه ، مع تحوّل الحال ، ونحول البال ، وذلك لأنّ الكتاب طال طولا « 3 » يملّ الناسخ ، ويضجر القارئ ، ويقبض المنبسط ، ويكلّ النشيط ، ويفتّر الشّهوات ، ويفلّ غرب الحريص ، ويتعب الطالب والراغب ، ويصير ما أردنا أن يكون سببا لاجتبائه سببا لاجتنابه ، وما أحببنا أن يكون باعثا على طلابه مؤيسا من وجدانه ، وهكذا كلّ ما طال وكثر ، وازدحم وانتشر ، وليس يصير هذا عيبا إلّا عند فسولتنا في طلب العلم ، وسوء رغبتنا في إفشاء الحكمة ، وقلّة طاعتنا للحقّ ، وإعراضنا عن الحظّ ، واستبدالنا للخير ، واعتيادنا للهو ، وجهلنا بعواقب الدّنيا ، ولو صدقت النّيّة ، وانبعثت الهمّة ، وأذعنت الشّهوة ، وذلّت النّقيبة « 4 » ، وساعد التوفيق ، كان ما استبعد في هذا الباب قريبا ، وما استوعر سهلا ، وما استغلي رخيصا ، وما استثقل خفيفا ، وما استكثر قليلا ، ولكن من يصبر على هذا السّوم ، ويصير إلى هذا الحكم ، ويأنف من هذا الطّعن ، وينفر من هذه اللائمة ، مع ضميره المدخول ، وعادته الفاسدة ، ومنشئه الرديّ ، وقرينه الفاضح ، وحبّه للراحة ، واختطافه للذّة ، وتعجّله للممكن ، وتسويفه في الخير ، وتوصّله إلى الشّرّ ، وهذا قطرة من البحر ، وحصاة من الجبل ، مع تنكّر الزّمان ، وفساد الدهر ، واختلاف المقالات ، وتشابه الآراء ، وتكافؤ الجدال ، وتزاحم الشّبه ، وتراكم الحجج ، وسوء بيان العلماء ، وقلة
--> ( 1 ) ل : الثاني . ( 2 ) ل : وكان . ( 3 ) ل : فلولا . ( 4 ) وذلت النقيبة : سقط من ل .